محمد كرد علي

107

خطط الشام

شديدا لم يكن في هذه الأمة مثله قط حتى كره أهل الشام وأهل العراق القتال وملوه من طول تبادلهم السيف . فقال عمرو بن العاص وهو يومئذ على القتال لمعاوية : أنت مطيعي فتأمر رجلا بنشر المصاحف ، ثم يقولون : يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن وإلى ما في فاتحته إلى خاتمته ، فإنك إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق ولا يزيد ذلك أمر أهل الشام إلا استجماعا ، فأطاعه معاوية ففعل ، وأمر عمرو رجالا من أهل الشام فقرىء المصحف ثم نادى يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن ، فاختلف أهل العراق فقالت طائفة : أولسنا على كتاب اللّه وبيعتنا ؟ وقال آخرون كرهوا القتال : أجبنا إلى كتاب اللّه ، فلما رأى علي عليه السلام وهنهم وكراهتهم للقتال قارب معاوية فيما يدعوه اليه واختلف بينهم الرسل فقال علي عليه السلام : قد قبلنا كتاب اللّه فمن يحكم بكتاب اللّه بيننا وبينك ، قال : تأخذ رجلا منا نختاره ونأخذ منكم رجلا تختاره ، فاختار معاوية عمرو بن العاص ، واختار علي أبا موسى الأشعري » . وجرت المهادنة بين علي ومعاوية على وضع الحرب بينهما ويكون لعلي العراق . ولمعاوية الشام ، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو ، فأقام معاوية بالشام يجبيها وكان ذلك سنة 40 . كانت حرب صفّين من أشأم الحروب على الأمة ، وهي في أول شبابها ، التقى فيها المسلم بالمسلم بالسلاح ، واقتتلا قتالا شديدا ، وهلكت من الفريقين نفوس زكية ، فيهم الصحابة والقراء والعلماء ، ولو لم يشغل بال معاوية بمقتل عثمان ثم بمدافعة عليّ لكان تفرغ للقضاء على الدولة البيزنطية آخر الدهر . خصوصا وقد كان من أكبر همه أن يغادي الروم القتال ويراوحهم منذ استقل بإمارة الشام . يغزوهم برا وبحرا ويصيب منهم وقلما يصيبون منه ، وربما توفق معاوية وآله لولا هذه الغائلة الأهلية إلى استصفاء معظم أقطار الأرض ونشر الدين واللغة فيها ، واضطرت حوادث عليّ معاوية أن يهادن صاحب الروم ويرضيه بمال عظيم ريثما يتفرغ له . وقال عمرو بن العاص لمعاوية : كما بدأت الفتنة اكتب إلى قيصر الروم تعلمه أنك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم وتسأله المواءمة والمصالحة تجده سريعا إلى ذلك راضيا بالعفو منك .